الشوكاني

138

نيل الأوطار

الحديث يدل على منع الصلاة إلى القبور ، وقد تقدم الكلام في ذلك وعلى منع الجلوس عليها ، وظاهر النهي التحريم . وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ : لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر أخيه وروي عن مالك أنه لا يكره القعود عليها ونحوه قال : إنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة . وفي الموطأ عن علي أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها . وفي البخاري أن يزيد بن ثابت أخا يزيد بن ثابت كان يجلس على القبور وقال : إنما كره ذلك لمن أحدث عليها ، وفيه عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبور ، وقد صحت الأحاديث القاضية بالمنع ، ولا حجة في قول أحد لا سيما إذا كان معارضا للثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم . وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه ، وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث جابر بلفظ : نهى أن يجصص القبر ويبنى عليه وأن يكتب عليه وأن يوطأ وهو في صحيح مسلم بدون الكتابة . وقال الحاكم : الكتابة على شرط مسلم ، والجلوس لا يكون غالبا إلا مع الوطئ . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا رواه الجماعة إلا ابن ماجة . قوله : من صلاتكم قال القرطبي : من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا : إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته وقد حكى القاضي عياض عن بعضهم أن معناه : اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن . قال الحافظ : وهذا وإن كان محتملا لكن الأول هو الراجح ، وقد بالغ الشيخ محيي الدين فقال : لا يجوز حمله على الفريضة . قوله : ولا تتخذوها قبورا لأن القبور ليست بمحل للعبادة ، وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر ، ونازعه الإسماعيلي فقال : الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر ، وتعقب بأن الحديث قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ : ولا تجعلوا بيوتكم مقابر وقال ابن التين : تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر ، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون في بيوتهم وهي القبور ، قال : فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك . قال الحافظ : إن أراد لا يؤخذ بطريق المنطوق فمسلم ، وإن أراد نفي ذلك مطلقا فلا . وقيل : يحتمل أن المراد لا تجعلوا